فصل: تفسير الآيات (34- 37):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (5- 12):

{فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (6) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8) اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9) لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12)}
{فإذا انسلخ الأشهر الحرم} يعني: مدَّة التَّأجيل {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} في حلٍّ أو حرمٍ {وخذوهم} بالأسر {واحصروهم} إنْ تحصَّنوا {واقعدوا لهم كلَّ مرصد} على كلِّ طريقٍ تأخذون فيه {فإنْ تابوا} رجعوا عن الشِّرك {وأقاموا الصلاة} المفروضة {وآتوا الزكاة} من العين والثِّمار والمواشي {فخلوا سبيلهم} فدعوهم وما شاؤوا {إنَّ الله غفور رحيم} لمَنْ تاب وآمن.
{وإن أحد من المشركين} الذين أمرتك بقتلهم {استجارك} طلب منك الأمان من القتل {فأجره} فاجعله في أمنٍ {حتى يسمع كلام الله} القرآن، فتقيم عليه حجَّةَ الله، وتبيِّن له دين الله {ثمَّ أبلغه مأمنه} إذا لم يرجع عن الشِّرك لينظر في أمره {ذلك بأنهم قومٌ لا يعلمون} يفعلونَ كلَّ هذا لأنَّهم قومٌ جهلةٌ لا يعلمون دين الله وتوحيده.
{كيف يكون للمشركين عهدٌ عند الله وعند رسوله} مع إضمارهم الغدر ونكثهم العهد {إلاَّ الذين عاهدتم عند المسجد الحرام} يعني: الذين استثناهم من البراءة {فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} ما أقاموا على الوفاء بعهدهم فأقيموا أنتم.
{كيف} أَيْ: كيف يكون لهم عهدهم {و} حالُهم أنَّهم {إنْ يظهروا عليكم} يظفروا بكم ويقدروا عليكم {لا يرقبوا فيكم} لا يحفظوا فيكم {إلاًّ ولا ذمَّةً} قرابةً ولا عهداً {يرضونكم بأفواههم} يقولون بألسنتهم كلاماً حلواً {وتأبى قلوبهم} الوفاء به {وأكثرهم فاسقون} غادرون ناقضون للعهد.
{اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً} استبدلوا بالقرآن متاع الدُّنيا {فصدوا عن سبيله} فأعرضوا عن طاعته {إنهم ساء} بئس {ما كانوا يعملون} من اشترائهم الكفر بالإِيمان.
{لا يرقبون} يعني: هؤلاء النَّاقضين للعهد {وأولئك هم المعتدون} المجاوزون للحلال إلى الحرام بنقض العهد.
{فإن تابوا} عن الشِّرك {وأقاموا الصَّلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم} أَيْ: فهم إخوانكم {في الدين ونفصِّل الآيات} نبيِّن آيات القرآن {لقوم يعلمون} أنَّها من عند الله.
{وإن نكثوا أيمانهم} نقضوا عهودهم {وطعنوا في دينكم} اغتابوكم وعابوا دينكم {فقاتلوا أئمة الكفر} رؤساء الضَّلالة. يعني: صناديد قريش {إنهم لا أيمان لهم} لا عهود لهم {لعلهم ينتهون} كي ينتهوا عن الشِّرك بالله، ثمَّ حرَّض المؤمنين عليهم.

.تفسير الآيات (13- 16):

{أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (16)}
{ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم} يعني: كفَّار مكَّة نقضوا العهد، أعانوا بني بكر على خزاعة {وهموا بإخراج الرسول} من مكَّة {وهم بدؤوكم} بالقتال {أول مرة} حين قاتلوا حلفاءكم خزاعة، فبدؤوا بنقض العهد {أتخشونهم} أن ينالكم من قتالهم مكروه فتتركون قتالهم {فالله أحق أن تخشوه} فمكروهُ عذابِ الله أحقُّ أن يُخشى في ترك قتالهم {إن كنتم مؤمنين} مصدِّقين بعقاب الله وثوابه.
{قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم} يقتلهم بسيوفكم ورماحكم {ويخزهم} يُذلُّهم بالقهر والأسر {ويشف صدور قوم مؤمنين} يعني: بني خزاعة. أعانت قريشٌ بني بكر عليهم حتى نكثوا فيها، فشفى الله صدورهم من بني بكر بالنبيِّ والمؤمنين.
{ويذهب غيظ قلوبهم} كَرْبَها ووَجْدَها بمعونة قريش بكراً عليهم {ويتوب الله على من يشاء} من المشركين، كأبي سفيان، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو. هداهم الله للإسلام.
{أم حسبتم} أيُّها المنافقون {أن تتركوا} على ما أنتم عليه من التَّلبيس، وكتمان النفاق {ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم} بنيَّةٍ صادقةٍ. يعني: العلم الذين يتعلَّق بهم بعد الجهاد، وذلك أنَّه لما فُرض القتال تبيَّن المنافق من غيره، ومَنْ يوالي المؤمنين ممَّن يوالي أعداءهم {ولم يتخذوا} أَيْ: ولمَّا يعلم الله الذين لم يتَّخذوا {من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة} أولياء ودُخُلاً.

.تفسير الآيات (17- 19):

{مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18) أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19)}
{ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله} نزلت في العباس بن عبد المطلب حين عُيِّر لمَّا أُسر، فقال: إنَّا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحاجَّ، فردَّ الله ذلك عليه بقوله: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله} بدخوله والتعوُّذ فيه؛ لأنَّهم ممنوعون عن ذلك {شاهدين على أنفسهم بالكفر} بسجودهم للأصنام واتِّخاذها آلهة. {أولئك حبطت أعمالهم} لأنَّ كفرهم أذهب ثوابها.
{إنما يعمر مساجد الله} بزيارتها والقعود فيها {مَنْ آمن بالله وباليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة} والمعنى: إنَّ مَنْ كان بهذه الصِّفة فهو من أهل عمارة المسجد {ولم يخش} في باب الدِّين {إلاَّ الله فعسى أولئك} أَيْ: فأولئك هم المهتدون والمتمسكون بطاعة الله التي تؤدِّي إلى الجنَّة.
{أجعلتم سقاية الحاج} قال المشركون: عمارة بيت الله، وقيامٌ على السِّقاية خيرٌ من الإِيمان والجهاد، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وسقاية الحاج: سقيهم الشَّراب في الموسم، وقوله: {وعمارة المسجد الحرام} يريد: تجميره وتخليقه {كمَنْ آمن} أَيْ: كإيمان من آمن {بالله}؟ {لا يستوون عند الله} في الفضل {والله لا يهدي القوم الظالمين} يعني: الذين زعموا أنَّهم أهل العمارة سمَّاهم ظالمين بشركهم.

.تفسير الآيات (20- 21):

{الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21)}
{الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله} أَيْ: من الذين افتخروا بعمارة البيت وسقي الحاجِّ {وأولئك هم الفائزون} الذين ظفروا بأمنيتهم.
{يبشرهم ربهم برحمة منه...} الآية. أَيْ: يعلمهم في الدُّنيا ما لهم في الآخرة.

.تفسير الآيات (23- 27):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23) قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24) لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (26) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (27)}
{يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم...} الآية. لمَّا أُمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة كان من النَّاس مَنْ يتعلَّق به زوجته وولده وأقاربه، ويقولون: ننشدك بالله أن تضيِّعنا، فيرقُّ لهم ويدع الهجرة، فأنزل الله تعالى: {لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء} أصدقاء تُؤثرون المقام بين أظهرهم على الهجرة {إن استحبوا} اختاروا {الكفر على الإِيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون} أَيْ: مشركون مثلهم، فلمَّا نزلت هذه الآية قالوا: يا نبيَّ الله، إن نحن اعتزلنا مَنْ خالفنا في الدِّين نقطع آباءنا وعشائرنا، وتذهب تجارتنا وتخرب ديارنا، فأنزل الله تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها} أَيْ: اكتسبتموها {فتربصوا} مقيمين بمكَّة {حتى يأتي الله بأمره} فتح مكَّة، فيسقط فرض الهجرة، وهذا أمر تهديد {والله لا يهدي القوم الفاسقين} تهديدٌ لهؤلاء بحرمان الهداية.
{ولقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين} وهو وادٍ بين مكَّة والطَّائف، قاتل عليه نبيُّ الله عليه السَّلام هوازن وثقيفاً {إذ أعجبتكم كثرتكم} وذلك أنَّهم قالوا: لن نُغلب اليوم من قلَّةٍ، وكانوا اثني عشر ألفاً {فلم تغن} لم تدفع عنكم شيئاً {وضاقت عليكم الأرض بما رحبت} لشدَّة ما لحقكم من الخوف ضاقت عليكم الأرض على سعتها، فلم تجدوا فيها موضعاً يصلح لقراركم {ثم وليتم مدبرين} انهزمتم. أعلمهم الله تعالى أنَّهم ليسوا يغلبون بكثرتهم، إنَّما يَغلبون بنصر الله.
{ثم أنزل الله سكينته} وهو ما يسكن إليه القلب من لطف الله ورحمته {على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم تروها} يريد: الملائكة {وعذب الذين كفروا} بأسيافكم ورماحكم {وذلك جزاء الكافرين}.
{ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء} فيهديهم إلى الإِسلام، من الكفَّار {والله غفور رحيم} بمَنْ آمن.

.تفسير الآيات (28- 33):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28) قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33)}
{يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس} لا يغتسلون من جنابةٍ، ولا يتوضؤون من حدثٍ {فلا يقربوا المسجد الحرام} أَيْ: لا يدخلوا الحرم. مُنعوا من دخول الحرم، فالحرمُ حرامٌ على المشركين {بعد عامهم هذا} يعني: عام الفتح، فلمَّا مُنعوا من دخول الحرم قال المسلمون: إنَّهم كانوا يأتون بالميرة، فالآن تنقطع عنا المتاجر، فأنزل الله تعالى: {وإن خفتم عيلة} فقراً {فسوف يغنيكم الله من فضله} فأسلم أهل جدَّة وصنعاء وجرش، وحملوا الطَّعام إلى مكَّة، وكفاهم الله ما كانوا يتخوَّفون {إنَّ الله عليم} بما يصلحكم {حكيم} فيما حكم في المشركين، ثمَّ نزل في جهاد أهل الكتاب من اليهود والنَّصارى قوله: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} يعني: كإيمان الموحِّدين وإيمانُهم غيرُ إيمانٍ إذا لم يؤمنوا بمحمد {ولا يحرِّمون ما حرم الله ورسوله} يعني: الخمر والميسر {ولا يدينون دين الحق} لا يتدينون بدين الإِسلام {حتى يعطوا الجزية} وهي ما يعطي المعاهِد على عهده {عن يد} يعطونها بأيديهم يمشون بها كارهين، ولا يجيئون بها ركباناً، ولا يرسلون بها {وهم صاغرون} ذليلون مقهورون يُجَرُّون إلى الموضع الذي تقبض منهم فيه بالعنف، حتى يؤدُّوها من يدهم.
{وقالت اليهود عزير ابنُ الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم} ليس فيه برهانٌ ولا بيانٌ، إنَّما هو قولٌ بالفم فقط {يُضاهئون} يتشبَّهون بقول المشركين حين قالوا: الملائكة بنات الله، وقد أخبر الله عنهم. بقوله: {وخرقوا له بنين وبناتٍ} {قاتلهم الله} لعنهم الله {أنى يؤفكون} كيف يُصرفون عن الحقِّ بعد وضوح الدَّليل حتى يجعلوا لله الولد، وهذا تعجيب للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.
{اتخذوا أحبارهم ورهبانهم} علماؤهم وعُبَّادهم {أرباباً} آلهةً {من دون الله} حيث أطاعوهم في تحليل ما حرَّم الله، وتحريم ما أحلَّ الله {والمسيح ابن مريم} اتخذوه ربَّاً {وما أمروا} في التَّوراة والإِنجيل {إلاَّ ليعبدوا إلهاً واحداً} وهو الذي لا إله غيره {سبحانه عمَّا يشركون} تنزيهاً له عن شركهم.
{يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم} يخمدوا دين الإِسلام بتكذيبهم {ويأبى الله إلاَّ أن يتم نوره} إلاَّ أَنْ يُظهر دينه.
{هو الذي أرسل رسوله} محمداً {بالهدى} بالقرآن {ودين الحق} الحنيفيَّة {ليظهره على الدين كله} ليعليَه على جميع الأديان.

.تفسير الآيات (34- 37):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35) إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36) إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (37)}
{يا أيها الذين آمنوا إنَّ كثيراً من الأحبار الرهبان} من فقهاء أهل الكتاب وعلمائهم {ليأكلون أموال الناس بالباطل} يعني: ما يأخذونه من الرُّشا في الحكم {ويصدون عن سبيل الله} ويصرفون النَّاس عن الإِيمان بمحمَّد عليه السَّلام، ثمَّ أنزل في مانعي الزَّكاة من أهل القبلة: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله} لا يُؤَدُّون زكاتها {فبشرهم بعذاب أليم} أخبرهم أنَّ لهم عذاباً أليماً.
{يوم يحمى عليها} يوم تدخل كنوزهم النَّار حتى تحمى وتشتدَّ حرارتها {فتكوى بها} أَيْ: فلتصق بجباههم وجنوبهم وظهورهم حتى يلتقي الحرُّ في أجوافهم، ويقال لهم: هذا الذي تكوون به ما جمعتم لأنفسكم، وبخلتم به عن حقِّ الله {فذوقوا} العذاب ب {ما كنتم تكنزون}.
{إنَّ عدَّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً} عدد شهور المسلمين التي تُعبِّدوا بأن يجعلوها لسنتهم اثنا عشر شهراً، على منازل القمر واستهلال الأهلَّة، لا كما يعدُّه أهل الرُّوم وفارس {في كتاب الله} في الإِمام الذي عند الله كتبه يوم خلق السَّموات والأرض {منها أربعة حرم} رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرَّم، يعظهم انتهاك المحارم فيها بأشدَّ ممَّا يعظم في غيرها {ذلك الدين القيم} الحساب المستقيم {فلا تظلموا فيهن أنفسكم} تحفَّظوا من أنفسكم في الحرم، فإنَّ الحسنات فيهن تضعف، وكذلك السيئات {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} قاتلوهم كلَّهم، ولا تُحَابوا بعضهم بترك القتال، كما إنَّهم يستحلُّون قتال جميعكم {واعلموا أنَّ الله مع المتقين} مع أوليائه الذين يخافونه.
{إنما النسيء} تأخير حرمةِ شهرٍ حرَّمه الله إلى شهرٍ آخر لم يحرِّمه، وذلك أنَّ العرب في الجاهليَّة ربما كانت تستحلُّ المحرم، وتحرِّم بدله صفر، فأخبر الله تعالى أنَّ ذلك كلَّه {زيادة في الكفر} حيث أحلُّوا ما حرَّم الله، وحرَّموا ما أحلَّ الله {يضل به} بذلك التَّأخير {الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً} إذا قاتلوا فيه أحلُّوه وحرَّموا مكانه صفر، وإذا لم يقاتلوا فيه حرَّموه {ليواطئوا} ليوافقوا {عدَّة ما حرم الله} وهو أنَّهم لم يُحلُّوا شهراً من الحرم إلاَّ حرَّموا مكانه شهراً من الحلال، ولم يحرِّموا شهراً من الحلال إلاَّ أحلُّوا مكانه شهراً من الحرم، لئلا يكون الحرم أكثر من الأربعة كما حرَّم الله، فيكون موافقة للعدد. {زين لهم سوء أعمالهم} زيَّن لهم الشَّيطان ذلك.